محمد بن وليد الطرطوشي
45
سراج الملوك
الباب الأول في مواعظ الملوك لقد خاب من كان حظّه من اللّه الدّنيا اعلم أيها الرّجل - وكلّنا ذلك الرّجل - أنّ عقول الملوك وإن كانت كبارا ، إلا أنها مشغوفة بكثرة الأشغال ، فيستدعي من الموعظة ما يتولّج عن تلك الأفكار ، ويتغلغل في مكامن تلك الأسرار ، فيرفع تلك الأستار ، ويفك تلك الأكنّة « 1 » والأقفال ، ويصقل ذلك الصدأ والرّان « 2 » . وقال الله تعالى : قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ [ النساء : 77 ] . فوصف الله تعالى جميع الدنيا بأنها متاع قليل ، وأنت تعلم أنك ما أوتيت من ذلك القليل إلا قليلا ، ثم ذلك القليل ، إن تمتعت به ولم تعص اللّه فيه ، فهو لهو ولعب ، قال الله تعالى : وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ « 3 » [ العنكبوت : 64 ] . ثم قال : وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ [ العنكبوت : 64 ] . فلا تبع أيها العاقل لعبا قليلا يفنى ، بحياة الأبد حياة لا تفنى وشباب لا يبلى ، كما قال الفضيل « 4 » - رحمه الله - لو كانت الدنيا ذهبا يفنى ، وكانت الآخرة خزفا يبقى ، لوجب أن نختار خزفا يبقى على ذهب يفنى ، فكيف وقد اخترنا خزفا يفنى ، على ذهب يبقى ؟ ! تأمل بعقلك ، هل أتاك الله من الدنيا ما أتى سليمان بن داود عليهما السلام ؟ حيث آتاه ملك جميع الدنيا ، والإنس والجن ، والطير والوحش والريح تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ « 5 » [ ص : 36 ] ثم زاده الله ما هو أعظم منها ، فقال تعالى : هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ [ ص : 39 ] فوالله
--> ( 1 ) الأكنة : الستائر والأغطية ، أكنة الشيء : ستره ووقاؤه . ( 2 ) الران : الغطاء ويطلق على الدنس وعلى الصدأ أيضا . سقطت من « ط » : قال الله تعالى : كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ [ المطففين : 14 ] . ( 3 ) وتمام الآية : وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ . ( 4 ) الفضيل : هو الفضيل بن عياض بن مسعود التميمي ، شيخ الحرم المكي ومن أكابر العبّاد الصالحين الزاهدين ، توفي سنة 187 ه ( حلية الأولياء 8 / 84 ، وطبقات ابن سعد 5 / 500 ) . ( 5 ) وتمامها : فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ .